القرطبي

204

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : " فسواها " أي خلقها خلقا مستويا ، لا تفاوت فيه ، ولا شقوق ، ولا فطور . ( وأغطش ليلها ) أي جعله مظلما ، غطش الليل وأغطشه الله ، كقولك : ظلم [ الليل ] ( 1 ) وأظلمه الله . ويقال أيضا : أغطش الليل بنفسه . وأغطشه الله كما يقال : أظلم الليل ، وأظلمه الله . والغطش والغبش : الظلمة . ورجل أغطش : أي أعمى ، أو شبيه به ، وقد غطش ، والمرأة غطشاء ، ويقال : ليلة غطشاء ، وليل أغطش وفلاة غطشى لا يهتدى لها ، قال الأعشى : ويهماء بالليل غطشى الفلاة * يؤنسني صوت فيادها ( 2 ) وقال الأعشى أيضا : عقرت لهم موهنا ناقتي * وغامرهم مدلهم غطش يعني بغامرهم ليلهم ، لأنه غمرهم بسواده . وأضاف الليل إلى السماء لان الليل يكون بغروب الشمس ، والشمس مضاف إلى السماء ، ويقال : نجوم الليل ، لان ظهورها بالليل . ( وأخرج ضحاها ) أي أبرز نهارها وضوءها وشمسها . وأضاف الضحا إلى السماء كما أضاف إليها الليل ، لان فيها سبب الظلام والضياء وهو غروب الشمس وطلوعها . ( والأرض بعد ذلك دحاها ) أي بسطها . وهذا يشير إلى كون الأرض بعد السماء . وقد مضى القول فيه في أول " البقرة " ( 3 ) عند قوله تعالى : " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ، ثم استوى إلى السماء " [ البقرة : 29 ] مستوفى . والعرب تقول : دحوت الشئ أدحوه دحوا : إذا بسطته . ويقال لعش النعامة أدحي ، لأنه مبسوط على وجه الأرض . وقال أمية بن أبي الصلت : وبث الخلق فيها إذ دحاها * فهم قطانها حتى التنادي ( 4 ) وأنشد المبرد : دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا

--> ( 1 ) هذه الزيادة من اللسان عن الفراء قال : ظلم الليل بالكسر وأظلم بمعنى . ( 2 ) الفياد بفتح الفاء وضمها : ذكر البوم . ( 3 ) راجع ج 1 ص 255 . ( 4 ) مضى هذا البيت في ج 15 ص 310 بلفظ : سكانها . والمعنى واحد .